فخر الدين الرازي

180

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يطعمها اللحم إذا عز الشجر يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض ، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ . ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [ الرحمن : 6 ] والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ، ومن الشجر ما له ساق ، هكذا قال المفسرون ، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما ، ويمكن أن يجاب عنه بأن عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضا فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط ، يقال : تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى : حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [ النساء : 65 ] ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه . القول الثاني : أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول . البحث الثاني : قوله : فِيهِ تُسِيمُونَ أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال : أسمت الماشية إذا خليتها ترعى ، وسامت هي تسوم سوما إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج : أخذ ذلك من السومة وهي العلامة . وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات ، وقال غيره . لأنها تعلم للإرسال في المرعى ، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى : وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ [ آل عمران : 14 ] . أما قوله تعالى : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ ففيه مباحث : البحث الأول : هو أن النبات الذي ينبته اللّه من ماء السماء قسمان : أحدهما : معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات ، وهو المراد من قوله : فِيهِ تُسِيمُونَ . والثاني : ما كان مخلوقا لأكل الإنسان وهو المراد من قوله : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ . فإن قيل : إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات ، وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان ، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان ، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : 54 ] فما الفائدة فيه ؟ قلنا : أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه ، وأما الترتيب المذكور في الآية الأخرى ، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » . البحث الثاني : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : ننبت بالنون على التفخيم والباقون بالياء ، قال الواحدي : والياء أشبه بما تقدم . البحث الثالث : اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء ، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من